ابن كثير
229
السيرة النبوية
صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال : أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة ، قد نزل بكم خزي الله عز وجل . فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ، ورد الله حيى بن أخطب حتى دخل حصن بني قريظة ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، واشتد عليهم الحصار ، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر - وكانوا حلفاء الأنصار - فقال أبو لبابة : لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أذنت لك . فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه وقالوا : يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا ؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال . فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه وأمر عليه أصابعه ، يريهم أنما يراد بهم القتل . فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده ، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة ، فقال : والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي . فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد . وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غاب عليه أبو لبابة : أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ؟ فذكر له ما فعل ، فقال : لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له ، وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى الله فيه ما يشاء . وهكذا رواه ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة . وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ، ومثل رواية أبى الأسود عن عروة . * * *